بطولات لا تُنسى

بطولات لا تُنسى
مار شمعون برصباعي

تحتفل الكنيسة الكلدانية يوم السابع من أيلول بتذكار مار شمعون برصباعي البطريرك الشهيد. وان هذه الشخصية لها موقف حاسم في تاريخ كنيستنا في حقبة من أشد الحقبات حدة. فأن مار شمعون وجه بين ابرز وجوه الجثالقة الذين جلسوا على كرسي المدائن، كما ان دراسة شخصيته والظروف التي اكتنفتها لهي بالحقيقة دراسة لحقبة حرجة من تاريخ كنيسة المشرق. وقد رسم المثلث الرحمة مار سليمان الصائغ صورة حية لها في روايته الذائعة الصيت (يزداندوخت).

 تجري حوادث هذه ملحمة البطولة التي سطرها مار شمعون برصباعي بدمائه الزكية في ربوع الامبراطورية الفارسية على عهد شابور الثاني ملك الفرس بين 339-341م. لقد كان شابور في سني ملكه الاولى، أي منذ سنة 310م، سموحاً مع المسيحيين غير متدخل في قضايا ضميرهم وايمانهم، حتى اننا نرى بعضاً من أمنائه وكبيري موظفيه وقواد جيشه من المسيحيين، نذكر منهم فوسي رئيس الصناع، وكوشتازاد رئيس الخصيان، ومار قردغ مرزبان الحدود، وابكرهان القائد ويوحنا الضابط وغيرهم، بيد انه انقلب عليهم على أثر الوشايات والتهم التي رفعت اليه ضد المسيحيين من قبل أعداء الدين المسيحي وبعد فشله في حصاره لمدينة نصيبيين، وكانت مدينة على الحدود بين الامبراطوريتين الفارسية والرومانية. وقد رغب في احتلالها سنة 338م وحاصرها مدة 63 يوماً، غير ان محاولته باءت بالفشل. وقد استعمل طريقة ذكية في مجهوده لفتح ثغرة في سورها، إذ انه أقام سداً على نهر مغدون الذي يمر بالمدينة فانحبست المياه، ثم فتح السد وضربت المياه بقوة سور المدينة محدثة فيه ثغرة كبيرة. إلا ان مار يعقوب اسقف المدينة حث الاهالي على بناء سور آخر تم تشييده في ليلة واحدة، فما ان اطل الصباح حتى كانت المدينة من جديد منيعة صامدة كالطود.

بعد فشل شابور امام الامبراطورية الرومانية سولت له نفسه الانتقام من مواطني مملكته المسيحيين. وكانت هذه فرصة أنتهزها رؤساء المجوسية للقضاء على هذا الدين الجديد الذي بدأ يتغلغل في قلب الامبراطورية الفارسية. وهكذا أعلن الاضطهاد الذي دام أربعين سنة، في حقبات تخف وطأتها وتشتد.

وكانت أولى بوادر الاضطهاد مرسوماً أصدره شابور يقضي بأن يدفع المسيحيون الجزية مضاعفة، وطلب بموجبه ان يتعهد مار شمعون برصباعي، وهو حينذاك جاثليق المدائن، بجمع وتأدية الجزية مضاعفة من أبنائه. وكان شابور حينذاك في الاهواز وقد كتب الى حكام كلدو بتنفيذ أوامره. فكان جواب شمعون: ان جمع الجبايات ليس من شأني، فضلا على انه من غير العدل ان يطلب من مواطني الدولة المسيحيين تأدية جزية مضاعفة، لا سيما وان معظمهم من الفقراء. وإذ بلغ الجواب شابور اعتبر موقف مار شمعون عصياناً على أوامره، فتهدد وتوعد، وكتب رسالة ثانية الى الحكام يأمرهم فيها ان يتهددوا شمعون بالقتل إذا رفض تكميل أوامره. فلم يجب شمعون الى طلبهم وصرح انه مستعد ليبذل دمه دون رعيته. وإذ بلغ الجواب الى الملك كتب الى الحكام ما نصه: حالما تصلكم رسالتنا هذه اقبضوا على شمعون رئيس النصارى وكبلوه بالسلاسل وأرسلوه إليّ واهدموا بيعته. وكان ذلك سنة 340م.

حينئذٍ اسرع الجند والرعاع الى كنيسة ساليق الكبرى وأخذوا يدكونها في ضجيج كثير. وفي ذلك الظرف الحرج جمع مار شمعون أساقفته وأكليروسه وعموم الشعب وقام فيهم خطيباً يشجعهم على الصمود في وجه العاصفة ويحثهم على الثبات مهما كانت التضحيات. وودعهم وهو يشعر بما يخباؤه له المستقبل من موت بطولي. فذهب الجند بمار شمعون وبغيره من رجال الاكليروس، ما مجموعه مئة وثلاثة رجلاً، الى مدينة ليدان في الاهواز. وإذ مثل الجاثاليق بين يدي الملك اكتنفه المجوس موغرين قلب الملك عليه، فأمره شابور بالسجود للشمس والنار فيخلص هو وشعبه من الموت، وإذ أبى أمر بالقائه في السجن.

وهناك في السجن يوم خميس الفصح، قربوا الذبيحة الالهية على اياديهم لتعذر الحصول على الاواني المقدسة، وحولوا ظلمة السجن ورهبته عيداً بتسابيح وتهاليل.

ويوم الجمعة العظيمة أمر شابور بقطع رأس شمعون ورؤوس بقية الاكليروس السجين. عندما أخرج شمعون ومن معه الى ساحة المدينة، إكتضت الازقة بالذين خرجوا لينظروا الحدث المروع. وكان الجاثاليق يتزعم اكليروسه كما يتزعم قائد مظفر جيشه، يخترق به الصفوف برأس مرفوع وشجاعة تتحدى الموت. وقد صرح شابور يوماً على مسمع حاشيته:” لم أر أبداً صورة جميلة مثل صورة هذا الرجل ولا رشاقة ظريفة نظير رشاقته”، فتصوروه على رأس ذلك الموكب المهيب.

وفي ساحة المدينة أخذ الجلادون عشرة عشرة من تلك النفوس الطاهرة يضربون اعناقهم بالسيف. وبين أكوام الشهداء وقف مار شمعون يهتف:” أين شوكتك يا موت، وأين غلبتك يا جحيم “. وكان قد بقي هو والكاهنان حننيا وعبد هيكلا. وأمام سيف الجلاد أخذ جسم حننيا يرتعد لطعنه في السن فشاهده رجل من أكابر الدولة إسمه فوسي هتف يشجعه:” لا تخف يا حننيا لا تخف، أغمض عينيك قليلاً فترى نور المسيح “. وهكذا تكلل حننيا وبعده عبد هيكلا وأخيراً مار شمعون. فكانت دماؤهم الزكية بذراً أنبت أجيال المؤمنين.

 

بغداد 1973
القس سرهد جمو

Close Menu