بدون الكلدان يفتقد العراق ذاته التاريخية

المطران سرهد يوسپ جمو

ان الضرر الذي لحق بأسس العراق، خلال السنين القليلة الماضية،زعزع نسيجه الجذري؛ فلم يحدث قط، في ما دوّنته سجلاته التاريخية، ان الطوائف الدينية او المجموعات العرقية فيه قد مارست تجاه بعضها البعض اعمالا بمثل هذه الوحشية والشمولية. ان المسيحيين، والكلدان اكثريتهم، قد تحملوا اثقل الخسارات وافدحها، مما انتهى بهم الامر الى نزوح جماهيري من ارض اجدادهم، وتلك مأساة انسانية وثقافية للعالم المتمدن قاطبة، الا انها فوق ذلك فعل تدمير للذات بالنسبة للعراق.

ان الطائفة الشيعية، وهي الغالبية العظمى في المجموعة القائمة من السكان، من حيث كونها طائفة اسلامية وبحكم انتمائها الى الثقافة العربية، يحق لها الانتساب الى الجذورالنهرانية منذ عهد الفتوحات الاسلامية اواسط القرن السابع، ومع ذلك فأن الشيعيين يحتفظون بأرتباطات دينية وثقافية وأجتماعية متشابكة مع ايران، ويطيعون بتقوى الائمة الايرانيين؛ ومع كونهم القسم الاكثر ثقلا في العراق والزعامة المهيمنة على مراكز القوى القائمة فيه، يلزمهم ان يتكاملوا مع بقية الشرائح المكونة للتركيبة العراقية، لكي يتمكنوا ان يعكسوا ويمثلوا بنوع متكافيء ثقافات بلاد الرافدين وبرنامج عمل شمولي لهذه الارض ودولتها.

اما الطائفة السنية، من حيث كونها عربية واسلامية، يحق لها الانتساب الى الهوية العراقية ابتداءً من الفتوحات الاسلامية، ويحق لها كذلك ان تفصح عن ولاء اصيل للعراق. الا ان السنية العراقيين، ومعهم الشيعة العرب كلاهما معا يؤكدون على انتمائهم لأمة اوسع هي الامة العربية تتقلص في داخلها الخصوصيات والولاءات الاقليمية، مما يفرض عليهم ولاءً فوقياً لهذا مشروع الامة العربية الشاملة والوطن العربي الكبير. ولذلك، فلا السنيون ولا الشيعيون، نظراً لتعلقاتهم القائمة، يمكنهم التعبير عن تواصل تاريخي وثقافي مع العراق القديم، ولا الاكتفاء بولاء قومي محصور في الدولة العراقية. 

اما الكورد، سواء داخل العراق وخارجه، فأن لهم تاريخاً مختلفاً وجدلية مختلفة -وفيما يخص موضوعنا فأنهم شريحة اساسية متكاملة مع بقية سكان العراق ودولته- الا انهم، من حيث الثقافة والديانة، لا يمكن ان يعبّروا عن الهوية المركزية التاريخية لبلاد النهرين وتواصلها مع ذاتها. وعين المواصفات يمكن اطلاقها عن الشرائح السكانية الاثنية والثقافية والدينية الاخرى للعراق، مع كونها جميعا مكونات مهمة ومتكاملة للقوس قزح العراقي.

بينما مسيحيو العراق، لا سيما الكلدان، عبر ثقافتهم الارامية الحية، وتراثهم الكتابي الاصيل، ومسيحيتهم منذ عهد الرسل، يحق لهم صحيحاً وشرعياً ان يدّعوا بأنهم قد احتفظوا بخصوصيات الهوية النهرانية الفريدة ولا زالوا يواصلونها؛ ان بابل مرجعيتهم التاريخية الأولية، والعراق بكامله، جبلا وسهلا ، شمالا وجنوبا، قبل المسيح وبعده، قبل الاسلام وبعده، بلاد اجدادهم، وله يمنحون حبهم غير المنقسم، كما برهنوا على ذلك جيلاً بعد جيل. ان الكلدان حقا هم افضل تعبير عن صميم العراق التاريخي. وانه مما يثير الأسى ان نرى القادة الحاليين للعراق المعاصر لا يستخدمون هذه الشريحة، وهي افضل ما لهم من اسهم، في سبيل رسم خارطة طريق اصيلة ومتوازنة  للعراق فيها تلاحمه ومستقبله الناجح.

مترجمة عن النص الانگليزي

 

Close Menu