العلم والايمان

في عصر الذرة، في جيل الفتوحات الفضائية، يوم توصلت عبقرية الانسان الى تحقيقات تكنولوجية وطبية كانت حتى الامس القريب أحلاماً، لا يستغرب إن تسأل المرء عن معاني هذه التطورات العالمية وعن تأثيرها على مجرى الحياة وعلى القيم الانسانية والدينية. وليس التساؤل حديثاً، فلا العلم حدث جديد على الانسان ولا الدين. وبالرغم من قدم القضية، فهي تلبس في كل جيل حلة جديدة، وتقدم للعقل قضايا تعبر عن مدى تطوره وعن قدرته على استيعاب الحضارة التي يحياها.

تاريخ العلاقة المتبادلة بين العلم والدين:

قديماً لم يكن الناس يميزون تمييزاً واضحاً بين العلم والدين. فقد كان حكماء القوم ينظرون الى الكون نظرة إجمالية شاملة هي مزيج من العلم والدين والاسطورة. وكان الحكيم، في الوقت ذاتهن عالماً وفيلسوفاً، وفي أغلب الاحيان كاهناً أيضاً. هكذا نرى عند قدماء الكلدان والمصريين ان الكاهن كان في الوقت عينه فلكياً ومنجماً. وكان الاغريق القدماء يشرحون في نظريات علمية فلسفية دينية وحدة أصل الكون ونشوء الانسان وتفاعل العناصر. وكانت المعابد الوثنية بالنتيجة هي مدارس العلوم ومراكز الاشعاع الفكري. وبعد دخول المسيحية، وفي أجيال توفر الحرية الدينية، في الامبراطورية الرومانية كما في غريمتها الفارسية. أخذت الديورة على عاتقها مهمة التثقيف ونشر العلم. فكانت مدارس الرها ونصيبيين والمدائن، في بلادنا، هي معاهد الثقافة الدينية والعلمية معاً. وكان التلاميذ يؤمونها من بعيد الامصار، من مسيحيين وغيرهم، وكانت مكتبات الديارات تكاد تكون مخازن التراث الثقافي الوحيدة في الشرق والغرب. كما كانت الاديرة الكبيرة تحتوي على صيدلية يتكفل بها راهب مسؤول عن جميع الاعشاب الطبية وتحضير وصفات العلاج. وإذ كان البرابرة الاوثان يقتحمون البلاد ويعبثون فيها تخريباً وتدميراً، كانت مكاتب الاديرة هي التي انقذت التراث الانساني من الضياع كلياً. حتى ليمكن القول ان الرهبان كانوا القنال الذي مرت عبره العلوم القديمة الى الاجيال اللاحقة.

في مثل هذا الجو وهذه الظروف التي عاش فيها العلم ربيباً في الديورة، لا غرابة ان تكون نظرة القوم عنه غير نظرتنا إليه اليوم. فقد كانت الثقافة القديمة منذ القرون الوسطى تضم كل العلوم الانسانية، طبيعية وفلسفية ولاهوتية، في مركب واحد تتداخل أجزاؤه بعضها في بعض وتتساند، كهرم قاعدته العلوم الطبيعية يرتفع فوقها الادب والفنون الجميلة، وتبنى عليها الفلسفة لاسيما الارسطوطالية منها، وكان اللاهوت أخيراً قمة هذا الهرم. في مثل هذا البناء الهرمي كانت القاعدة متصلة بالقمة ومسنداً لها. فكانت مثلاً نظرية نشوء الكون القديمة تتفق وتسند ما جاء في الفصل الاول من الكتاب المقدس بخصوص الخلقة، وكانت النتيجة لهذه النظرية الوحدوية ان االقاعدة إذا تزعزعت تشدخ الهرم كله.

ان العقل البشري قوة موحدة، تلاحظ ظواهر الكون وتجمعها في قوانين عمومية. وكانت هذه الحالة التي صار إليها العلم والدين تبدو تحقيقاً لحلم الانسان الوحدوي، إلا ان التاريخ دل على ان تحقيق هذا الحلم على هذا النمط لم يكن إلا خداعة وسراباً، بل كان كارثة على العلم والدين سواء بسواء. فقد كان رجل الدين يخلط في ايمانه أموراً ونظريات لم يكن فيها من شؤون الديانة شيء. وكانت تضطره الى الالتزام في قضايا لم تكن قط قضاياه. وكان رجل العلم يحيا في جو علمي محدود محصور، لانه يخشى ان تمس بحوثه حقولاً من العلم مرتبطة بالدين فيأتي تجديده العلمي وكأنه ضربة على الدين مستوجبة بالتالي عداء الكنيسة ومن ورائها قصاص السلطة الحاكمة. ولهذا فأن العلم والدين مدينان لرجال عظام خاطروا بشجاعة وصمود في سبيل تحرير العلم والدين من قيودهما المتبادلة. وقد إقتضى الامر أجيالاً عديدة من الصراع والنزاع كي تنفصل العلوم الطبيعية عن الفلسفة واللاهوت.

العلم والدين نظرتان متميزتان الى الكون:

ان النظرة التي يلقيها رجل العلم على الكون تحتضن الوجود من زاوية مختلفة عن الزاوية التي تهم الرجل المؤمن من حيث كونه مؤمناً. ولا بد من التسليم بأن العلوم الطبيعية لا تبحث عن هلاك الانسان الابدي أو خلاصه، وأن هذه القضية لا يلتقي بها الفيزياوي أبداً في مختبراته. وسبب ذلك أن الفيزياوي يجري بحثه بتجريد الكائن من خواصه ومظاهره المختلفة لكي يقتطع منها مظهراً واحداً من المظهر المحسوس والكمي وقابل القياس. أنه يلاحظ ظاهرة محسوسة، يحللها ويدرس العلاقات القائمة بين عناصرها، ثم يصيغ كل ذلك في قالب رياضي، ويستدل ويستنتج أخيراً طرق استخدام هذا الكشف في مجالات العمل الانساني. وفي دائرة هذا المجال لا مكان للحب أو للبغض، للاشواق أو المخاوف، للفضيلة أو للرذيلة. فأن هذه الامور تدور في عالم آخر، هو عالم الباطن، عالم الضمير، حيث تجري صراعية الخطيئة والفداء، صراعية الموت والقيامة.

وبين هذين العالمين لا يجوز الحديث عن تناقض أو تضادد، لانهما بكل بساطة عالمان متميزان ونظرتان مختلفتان لكل منهما موقف خاص من الكائن. فلو إدعى العلم قدرته على توفير السعادة الروحية لقلب الانسان فإنه يخدع ويخادع، ولو إدعى أن الدين خرافات وأساطير لمجر أن الايمان يستند أيضاً على حوادث لا يجد العلم مثيلاً لها وتفسيراً في مختبراته فإنه حينذاك يخدع ويخادع، إذ ما دامت الروح الانسانية والروح الالهية لا تقعان تحت مجهر الفيزياوي فمن الاعتباط نكران وجودهما، بل ومن الاعتباط كذلك تثبيت وجودهما إستناداً على هذا المجهر. ولنلاحظ أن الايمان لا يضيف على العالم الطبيعي عالماً جديداً، بل هو يلقي على العالم نوراً جديداً لكي نرى بإعين نيرة نفس هذا العالم وقد انكشفت لنا معاني وجوده وغاياته البعيدة. انه ينفذ الى مجال أعمق سبره لاغوار الكائن متعدياً ومجتازاً الظواهر السطحية.

ونستخلص من كل ذلك ان للعلم الطبيعي حقل خاص وآفاق بعيدة بيد أنه محدود، وللدين حقل آخر ونظرة أبعد، والنظرتان متكاملتان بيد أنهما متميزتان. يقول باستور العالم الكبير والمؤمن الكبير:” في كل واحد منا رجلان، الرجل العالم الذي يريد ان يرتقي معرفة الطبيعة بالتجربة والاستقراء، والرجل الاخر هو رجل الاحساس، الذي يبكي اطفاله وقد لا يمكنه ان يبرهن أنه سيلقاهم يوماً غير انه يؤمن بذلك ويأمله، والذي يرفض أن يموت كما تموت الحشرة. والحقلان متميزان، وتعساً للذي يريد سلب الاخر حقوقه. أدعاء إدخال الدين في العلم عقلية مخطئة، واكثر خطأ هي العقلية التي تريد إقحام العلم بالدين”.

فتبقى مهمة الانسان الناضج ان يتعلم كيف يرى في الكشوفات العلمية مدخلاً الى عالم الروح الفسيح.

 

القس سرهد جمو

بغداد 28/10/1972

        

Close Menu